عبد الله بن أحمد النسفي
469
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 75 إلى 77 ] إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 76 ) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ( 77 ) 75 - إِذاً لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوّتك كما قال : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ « 1 » الآية ، وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات ، لأنّ العذاب عذابان عذاب في الممات وهو عذاب القبر وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار ، والعذاب يوصف بالضّعف كقوله : فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ « 2 » أي مضاعفا ، فكأنّ أصل الكلام لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات ، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضّعف ، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات ، ويجوز أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا ، وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار ، وفي ذكر الكيدودة « 3 » وتقليلها مع اتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أنّ القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله ، ولما نزلت كان عليه السّلام يقول : ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) « 4 » ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً معينا لك يمنع عذابنا عنك . 76 - وَإِنْ كادُوا أي أهل مكة لَيَسْتَفِزُّونَكَ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ لا يبقون خَلْفَكَ بعدك ، أي بعد إخراجك ، خلافك كوفي غير أبي بكر ، وشامي بمعناه إِلَّا قَلِيلًا زمانا قليلا ، فإن اللّه مهلكهم ، وكان كما قال ، فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل ، أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ، ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ربه ، وقيل من أرض العرب ، أو من أرض المدينة . 77 - سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا يعني أنّ كلّ قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة اللّه أن يهلكهم ، ونصبت نصب المصدر المؤكّد ، أي سنّ اللّه ذلك سنة وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا تبديلا .
--> ( 1 ) الأحزاب ، 33 / 30 . ( 2 ) الأعراف ، 7 / 38 . ( 3 ) يعني قوله لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ . ( 4 ) كنز العمال 2 / 3674 ، 5075 .